تخرج شخصية المسحراتي إلى الحياة مطلع كل رمضان، لتعود أدراجها إلى مساحات الذاكرة في الليلة الأخيرة من الشهر أو صباح العيد.
وكمن يضيق من حوله المكان بإسقاط أهمية الدور عنه، اختفى من حمل الطبل وسار يوقظ النيام لتناول طعام السحور والاستعداد للصيام من بعض المجتمعات، بينما حافظت أخرى على مكانته من باب التمسك بالتراث والمواظبة على إحيائه.
بذلك يترقب الصائمون ظهور شخصيتهم المحببة في الشهر الفضيل؛ بعضهم يوافيها إلى الشارع ويشاركها الأهازيج أو يكتفي بالتلويح لها من البعيد.
أما من خسروا جزءًا من ذاكرتهم باندثار المسحراتي عن الوجود، فيركنون إلى ما عايشوه أو سمعوا عنه عندما يصلهم مدّ الحنين.
الدول العربية بصورة عامة تعرف منذ زمن المسحراتي، وإن اختلف اسمه وتبدّل لباسه وتمايزت العبارات التي يردّدها على مسامع من ينوون الصيام.
وفي ما يأتي بعض من أبرز تسميات المسحراتي بين المحيط والخليج:
"بو طبيلة"
هذه التسمية وأخرى تكاد تطابقها: "أبو طبيلة"، تُطلق على من يخرج في جوف الليل لذكر الله والدعوة إلى عدم تفويت وجبة السحور في دول الخليج عمومًا وكذلك في تونس والجزائر.
و"أبو طبيلة" يسير بدوره بين البيوت يضرب على طبلته ويردّد عباراته الشهيرة محليًا بصوت مرتفع. ومما يقوله في الأحساء السعودية: "لا إله إلا الله محمد رسول الله" و"اصحى يا نايم وحد الدايم".
وفي تونس ينادي الناس: "قوموا تسحروا".
"المسحرجي"
هذا ما يُعرف به المسحراتي في العراق، وهو يتنقل بدوره بين البيوت في الأحياء. ولطالما تجمهر من حوله الأطفال وساروا معه في الطرقات المظلمة التي يشقها بصوته وضربات طبله قبل أن تبلغها قدماه.
العراقيون عمومًا والبغداديون خصوصًا يألفون كلمات "سحور سحور سحور" الثلاث التي تسبق الضربات القوية على الطبل، وكذلك الأناشيد الدينية التي تتبعها.
وعلى غرار الكثير من المسحراتيين في غالبية المجتمعات، يزور المسحرجي صبيحة العيد من قام بتسحيرهم ليهنئهم بحلوله، وينال بالمقابل نصيبه من "العيدية" مالًا أو حلويات أو الاثنين معًا.
"النوبادجي"
في بعض مناطق ليبيا يُسمى المسحراتي بـ "النوبادجي". ويعلّق الرجل طبلًا كبيرًا إلى كتفه ليضرب عليه بعصوين إحداهما غليظة، خلال تجواله في الأزقة الضيقة قبل نحو ساعتين من رفع آذان الفجر.
وممّا يقوله المسحراتي في ليبيا: "ساهر الليل يا ساهر الليل.. نوضو تسحروا يا صائمين".
المسحراتي
يكاد هذا اللقب أن يكون الأكثر شيوعًا في هذا المجال، ويعتمده المصريون والسودانيون والفلسطينيون والأردنيون عمومًا.
وإذا كان المألوف أن يخرج المسحراتي بشكل منفرد أو يرافقه شخص آخر على الأكثر ليؤدي مهمته في إيقاظ الناس، شهدت فلسطين مبادرة جماعية للاضطلاع بهذا الدور، من خلال فرقة "المسحراتي" في منطقة البيرة.
إلى ذلك، عرفت مصر مسحراتي استثنائي؛ هو السيد مكاوي الذي لحّن وغنى سلسلة بهذا الاسم كتبها الشاعر فؤاد حداد.
ومن أبرز تلك النداءات ما جاء فيها: "اصحى يا نايم اصحى وحد الدايم، وقول نويت بكره إن حييت، الشهر صايم والفجر قايم".
المسحر
من الوجوه المعروفة التي قدمت نموذجًا تقليديًا عن أداء ومظهر المسحّر ـ وفق المصطلح المُستخدم في سوريا ولبنان ـ الفنان الراحل رفيق السبيعي، عندما خرج "أبو صياح" في مسلسل "مسحر رمضان" يضرب على طبلته مرددًا "يا رايحين للنبي قلبي معاكم راح، نور المصطفى من بعيد نور علينا وراح.. يا نايم وحّد الدايم".
من ذكريات الماضي.. يا نايم وحد الدايم.. يا نايم وحد الله قوموا لطاعة الله يرحمنا ويرحمكم الله ازرع جميلا ولو في غير موضعه فلا يضيع جميل أين ما زرعا إن الجميل وإن طال الزمان به فليس يحصده إلا الذي زرعا أبو صياح ( رفيق سبيعي ) يرحمه الله.. مسحر رمضان 1391هـ ( 1971م ).. pic.twitter.com/2IeTWm8Khs
— زائر من هناك (@ZaaerMnHonak) November 29, 2018
ودرج أن يقوم المسحر في لبنان وسوريا وكذلك في عدد من الدول العربية أن يُنادي الصائمين سكان الحي بالاسم: يا فلان وحد الدايم، يا فلان وحد الله، ليردف بالقول: "قوموا على سحوركم، إجا (جاء) رمضان يزوركم".
"النّفار"
عبر مزمار ينفخ فيه فينشر ألحانًا توقظ النيام قبل رفع الآذان، أو طبل يضربه بقوة فيخترق صوته جدران البيوت يؤدّي "النفار" أو الطبال مهمته في المغرب.
وهو بين الفينة والأخرى يردّد في مسيره "لا إله إلا الله لا إله إلا الله، لا إله إلا الله ربي وحده، لا شريك له هو الوحيد سبحانه"، وأناشيد وعبارات أخرى.
بالطبل والمزمار يجوب الشوارع ليوقظ الناس إلى سحورهم.. "النفار" أو "المسحراتي" أحد التقاليد المتوارثة في المغرب 👇 pic.twitter.com/v9qjDynog5
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) June 4, 2019
"المفلّح"
يستخدم الكثير من اليمنيين تعبير المسحراتي أو المطبّل، في الإشارة إلى من يخرج طيلة شهر رمضان مع طاسته أو طبله للتنبيه إلى موعد وجبة السحور.
وفي مدينة شبام حضرموت يسمى هذا الرجل بـ "المفلّح"، اشتقاقًا من "الفلاح" أي وجبة السحور وفق التسمية المحلية. وهو يعمد إلى الضرب على آلة "الهاجر" التي تُشبه الطبل، ويردّد عبارات متوارثة عن الأجداد.
يُذكر أن زي المسحراتي بكل تسمياته الأخرى كان شبه اللباس السائد في مجتمعه فيما ماضى.
واليوم، مع تغيّر أشكال الملابس وأساليبها، يحافظ الكثير ممن يعملون في هذه الحرفة على ارتداء الزي التقليدي القديم أو اعتماد بعض من إكسسواراته.